البداية


تناول القضية تم بشكل غير سليم من البداية، بسبب بشاعة الجريمة ومصالح متضاربة لأطراف عدة. فالقضية قضية للثورة من حيث أنها أظهرت مشكلة كبرى في بنية النظام الذي قامت ضده الثورة، فالدولة متحللة إن أخذنا بنظرية أن المذبحة هي عنف كروي عادي تضخم بسبب الفوضى التي تعيشها كل الدوائر الشرطية في مصر، مع إنحدار قيمي أصاب المصريين بسبب التجريف والفشل والبطالة إلخ، دفعت كلها إلى تفريغ الغضب في شكل هوس بالكرة، هذا إن تعمدنا إحسان النية.

أما إذا نظرنا للمجزة في سياق أن البلد تحكم بمنظومة قديمة تعتمد على المؤامرات لتشتيت الإنتباه عن قضايا أهم بدلاً من المواجهة، فالمذبحة مدبرة والمحرض الأساسي فيها هو القيادة السياسية وقتها -المجلس العسكري- أو على الأقل دوائر أكثر غموضاً في النظام.

ولكنها ليست قضية تتعلق بمن ماتوا في سبيل إنجاح الثورة-وحتى هؤلاء لا يجب التعامل مع قضيتهم باعتبارها قضية الثورة الأولى، بل تنفيذ الشعارات التي مات من أجلها هؤلاء يجب أن يتم أولاً- فهم في النهاية قُتلوا غدراً في استاد كرة بينما البلد كان يغرق في أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية لا حصر لها، وهذا بالطبع لا يدعو للتغاضي عن القضية-كما فهم من كلامي صديق من الأولتراس اليوم- ولكن فقط لوضع الأمور في نصابها

القضية تتعلق إذاً بالثورة من حيث أنها نتيجة للفشل أو للتآمر الذي دفع المواطنين للثورة، ولكن ليس لأن من سقطوا شهداء ماتوا في سبيلها، وهذا يجب أن يكون واضحاً حتى نستطيع أن نحل معضلة تكاد تدفع الإقليم الأهم في مصر إلى الإستقلال.

العنف الكروي

العنف الكروي منتشر في مصر منذ أمد بعيد، بسبب سن المشجعين وطبيعة المجتمع وعدم تمثيل شرائحه بشكل سليم وأسباب أخرى يجب أن يفحصها علماء الاجتماع، والتعصب للكرة وصل ببعض المشجعين لسب بورسعيد-قبل المذبحة- في أكثر من لقاء (مش بنحبوكو ياللي اليهود ن##وكوا، بلد البالة مافيهاش رجالة) رداً على سباب موجه لنادي، وهو هتاف يكشف عن كم الجهل بتاريخ المدينة والحيز الضخم الذي يشغله من تاريخ النضال الوطني، وعن أولويات الإنتماء لدى جيل وجد حواجز أمام الإنتماء إلى أي مجموعة غير المجموعات الكروية، فالإشتباك مع الأمن المركزي بعد المباريات لم يكن يرقى إلى ما يتعرض له المنضمون إلى مجموعات سياسية مثلاً، وهو ما تستطيع أن تراه من خلال مقارنة كم المشجعين بكم المشاركين في مظاهرات كفاية و9 مارس وغيرها قبل الثورة، بالإضافة إلى عدم التحقق في أي شيء (الأمن كان يمنع الكثير من الأبحاث والمشاريع العلمية، في جامعتي منع طالب من تطوير طائرات كان بارعاً في صنعها خوفاً من إستخدامها في تهديد أمن النظام، وهو نموذج موحي جداً بما يستطيع أن يفعله نظام دكتاتوري). يكون الأمر واضحاً أيضاً في تشجيع البعض لنواديهم على طائرات المشجعين في مباريات المنتخب الخارجية، إسم النادي قبل المنتخب.

بالرغم من عضويتي في النادي الأهلي إلا إنني لم أستطع أن أفهم أبداً العصبية في النقاش حول عظمة هذا النادي أو ذاك، بينما ينتقل اللاعبون  والمدربون بين الأندية، وبينما يرد معظم الناس على من كان يتكلم عن الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي ب"ربنا يولّي الأصلح".

هذا ما يفسر كلام أحد "كابوهات" أولتراس المصري بعد المذبحة بسعادته بعدد القتلى والمصابين، وسعادة الكثير من أولتراس الأهلي بأحكام الإعدام بالرغم من يقينهم من أنها جائت بسبب ضغطهم على المحكمة، وبالرغم من أن أحد المحكوم عليهم أهلاوي لم يقدم للمحاكمة من الأساس، وبالرغم من أن-وهي النقطة الأهم- وزارة الداخلية، وهي الجهاز المنوط به جمع الأدلة، متهمة  ككل في القضية من قبل الرأي العام، وسينطق بالحكم على بعض ضباطها السبت القادم في نفس القضية.

صدمني اليوم رد عضو في الأولتراس حين سألته عن رد فعله إن برأت المحكمة الضباط "هم عارفين احنا ممكن نعمل إيه"، السؤال الثاني كان: ولماذا لا تثأر لأصدقائك مادمت متأكد من تورط جميع المتهمين؟ وكيف تنتظر حكم محكمة تخضع للضغوط، وضغط بورسعيد الآن أقوى، فرد ب"ماحدش بيضغط زينا"

الأولتراس وموقفه

الإعتزاز بخوف القضاء مخيف، الأولتراس اعتاد على تمجيد المستفيدين من ضغطه على المجلس العسكري له، رأيت الدهشة في عيني زميلي هذا، فاجئته الأسئلة التي لم يعتاد على مواجهتها، اعتاد-الأولتراس-على الخيلاء أمام أعين المفتونين بأساطير الإعلام، الذي صوره كأسد الميدان مع "شباب الأخوان البريء" في موقعة الجمل، بينما يعرف كل من تواجد يومها أن الكر والفر لم يترك لأحد رفاهية معرفة هوية مجاوره، بينما انخرط في معارك مع أقرانه البورسعيدية في حملات سباب للفِرَق بينما يغلي البلد بفعل قرارات المرسي، الأولتراس اندفع في تصديق أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه، يتعامل مع الوضع العام تماماً كثوار الأمس القريب، تبسيط حاد لكل شيء، تماماً كحكايات الحالمين عن الثورات وكأنها حكايات ما قبل النوم، وينتظر دائماً الإطراء والإنبهار وكل النظرات المعجبة بحماسهم، والذي لا أنكره، وبإخلاصهم لدماء زملائهم، الإخلاص الذي ينقص الكثيرين، ولكن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة، وحسن النوايا غير كافي خصوصاً في بلد يكاد ينفجر.

ال72 الذين قتلوا غدراً في الاستاد أدير صراع غير واعي بإسمهم قاد إلى مقتل العشرات الآخرين وحصار مدينة وقد يقود فيما بعد إلى تعطيل الملاحة في الممر المائي الأهم في العالم(وهو أمر لو تعلمون عظيم)، إنعدام الوعي وصل بأحد "كابوهات" الأولتراس إلى رفع حزامه في مسيرة وزارة الدفاع لمنع الصغار من الأعضاء من الإعتداء على نشطاء اختلفوا معهم حول الهتاف، وهنا لدي ملاحظتين: الأولتراس يتعارض هنا مع الفردية، وهو مقتل كل المجموعات التي تنادي بقيم العدالة، من التنظيمات الشيوعية إلى الإسلامية، والثاني أن الهتاف كان ضد مجلس عسكري ليس في السلطة، وليس ضد من كرمهم بأعلى الأوسمة في مصر.

ينحاز الأولتراس لضحاياه لمجرد أنهم ضحاياه، فهو نفس الأولتراس الذي شجع ناديه يوم حادثة القطار، وهم نفس المجموعات التي شجعت أنديتها كما فعلت مع المنتخب والدم ينزف في الميادين أو في الكوارث الكبرى كالعبارة السلام وغيرها، هو إذا غير منحاز-أو على الأقل لا يسعى في سبيل تحقيق-لقضية العدالة بمعناها الواسع، ولكنه الإحساس بالإنتماء للعشيرة، هي إذا مجموعة مظهرها الحداثة وباطنها أفكار معادية للفردية، القيمة الأهم في أي مجتمع ديمقراطي حديث، ومجموعة بهذه العقلية لا يجب تأييد كل ما تفعله فقط لأن "شكلهم يفرح"، عدالة القضية لا يعني عدالة الحل المقدم من صاحبها.


القضية

علّق صديق بورسعيدي مقيم في القاهرة على فخر الزميل المنتمي للألتراس بالضغط على القضاء بأنه يرغب فقط في رؤية 72 بورسعيدي مشنوق، وهو ما قفز إلى ذهني مجدداً حين سألني زميل آخر من الاولتراس "عمرك شوفتنا قلنا حاجة ورجعنا فيها؟" بعد أن سألته إن كان يعرف أن القضية ستعاد وربما يبرأ المدانون في النقض

علقت أم الشهيد كريم خزام على الحكم لأحد الأصدقاء بأنها لن تكون سعيدة إن أعدم بريء واحد، ولكن اللهجة المستخدمة من بعض المتعصبين تجعلني أشك في أن يتألم لإعدام بريء إذا كان بورسعيدياً، وأنا هنا لا أبريء أو أدين أحد، أنا فقط أقول: المحاكمة شابها الكثير، ولا يمكننا الإطمئنان إلى حكمها

المذبحة كانت بشعة، تم القبض على الكثير من المسجلين خطر من الشوارع -علاء عبد الفتاح وجمال عيد مسجلين خطر، الأدلة ضعيفة بسبب شيوع القتل وإظلام الاستاد وقتها، وإنحياز الشهود لأي من الطرفين بفعل الهوس الكروي وبشاعة الجريمة وقسوة العقوبة المترتبة عليها، مع إستحالة رفع بصمات كل المتواجدين ليلتها في الإستاد مثلاً للتثبت من الفاعلين الأصليين، بورسعيد شهدت حالة من الهرج لم تشاهدها منذ إنتهاء الحروب مع إسرائيل، وجهاز جمع الأدلة متهم في القضية، والنيابة تحقق في عشرات الآلاف من القضايا والتي تزيد كل ثانية، مما يقلل من فاعليتها، ومحكمة حكمت في القضية بينما هي بين نارين: إما إحتراق القاهرة: المركز، أو القناة: الأهم للعالم من بقية القطر.

لا أعلم إن كان أحداً لا يشك في تجرد الحكم، ولكني مقتنع بأنه سيدرس في كليات الحقوق لعقود قادمة كمثال لأحكام المنصات المرتعشة، تماماً كما تحكى قصة كقصة إرتداء المحامون للأرواب السوداء



ما العمل: العدالة الانتقالية


إذا أخذنا في الحسبان أن المتهم الأول في كل الجرائم المرتكبة منذ بداية الثورة-ومن قبلها- هو جهاز جمع الأدلة -الشرطة، وإذا أخذنا في الاعتبار كثرة الضحايا وكثرة المتهمين وإستحالة سلامة الأدلة بسبب عدم حياد جامعيها، وإذا أخذنا-وهو العنصر الأهم- عدم إطمئنان أحد إلى القانون الذي يعصف به من قبل أكبر رأس-أو قل كرش- في الدولة، وبالتالي إذا تحسبنا للدائرة المخيفة التي دخلنا فيها من التأثير على المحاكم والشهداء الذين يسقطون كل يوم دفاعاً عن شهداء سبقوهم، في اشتباكات سببها الأساسي اللاعدالة واللاوضوح المرتبط بقوانين لا تناسب الظرف الإستثنائي، فإن الحل الأنجع هو صيغة ما للعدالة الانتقالية، وهي الفكرة التي رفضها المجلس العسكري تبعاً للإخوان الذين رفضوا بالفعل مشاريع قوانين مقدمة من أكثر من حزب ومؤسسة حقوقية، وفي ضوء الاضرابات الواسعة داخل جهاز الشرطة ومطالب تلك الاضرابات، بالإضافة إلى الضغوط التي تمارس يومياً على حتى أصغر التجاوزات مثل استغلال عربات الشرطة في نقل عائلات ضباطها، فإني أعتقد أن إعادة الهيكلة تلك، والتي هي واحدة من أهم إجراءات العدالة الإنتقالية ستقابل بترحيب من معظم شرائح هذا القطاع. وإذا لم ننجز هذا النوع من العدالة سيستمر سقوط الشهداء في كل مكان، وستأكل حمى الثأر البلد، ورعبٌ أكبر من هذا سوف يجيء

1 comments:

  1. light-elrahman.com/ said...